في حوار افتراضي عقده "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية" (CSIS) في 21 أيلول 2026، مع وزير المالية ياسين جابر، وأدارته مديرة برنامج الشرق الأوسط في المركز منى يعقوبيان، وكبير المساعدين غير المقيمين في البرنامج نفسه بول سالم، خُصص النقاش بمعظمه للتحديات الاقتصادية والمالية التي يواجهها لبنان، مع إشارات قليلة إلى الملفين الأمني والسياسي.
جنوب لبنان
قدّم جابر، الذي مثّل الجنوب سابقًا في البرلمان اللبناني، رؤيته للوضع الراهن في الجنوب والصراع المستمر بين إسرائيل و"حزب الله". وأشار إلى أنه بعد اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024، رحّب سكان الجنوب بانتشار الجيش اللبناني في مختلف أنحائه. غير أن فرصًا مهمة أُهدرت، إذ لم يأتِ أي بلد لمساعدة الجيش اللبناني أو تزويده بمعدات حديثة. كما لم تتوقف إسرائيل عن القصف، بما في ذلك في مناطق انتشر فيها الجيش اللبناني، وهو ما لم يزرع الثقة لدى المواطنين اللبنانيين. وعادت الحرب في آذار 2026، ومع التحديات الجديدة التي جلبتها وتفجر المزيد من العنف، باتت الحكومة اللبنانية تفقد هيبتها تدريجيًا، بينما لا توجد حسن نية من الفريق الآخر، أي إسرائيل، وهذا يعزز المعارضين، أي "حزب الله".
الوضع الاقتصادي
واضاف وزير المالية أن الحرب، التي عادت في آذار، أدّت إلى انخفاض سنوي في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 6.5%، في تناقض حاد مع التوقعات الاقتصادية الإيجابية في أوائل 2026، التي كانت تشير إلى نمو بنسبة 4.6% وفائض في الموازنة بقيمة مليار دولار للعام. وقد أسهم انخفاض الإيرادات بنسبة 30% في عجز كبير، والأمل أن يُخفّض العجز بشكل جدي بحلول نهاية العام. وفي عامها الأول في السلطة (شباط 2025 – شباط 2026)، تمكنت الحكومة من زيادة إيراداتها بفضل نظام جباية ضريبية وجمركية جديد ومُرقمن، ما أدى إلى تحقيق فائض في الموازنة.
موازنة 2027
بالنسبة إلى الموازنة الجديدة، شدد جابر على أن هامش المناورة لدى الحكومة محدود جدًا، بسبب ضغوط الحرب، فضلًا عن الاحتجاجات العديدة لموظفي القطاع العام، أي المعلمين والمتقاعدين، المطالبين بزيادات في الأجور، ما أجبر الحكومة على تخصيص 800 مليون دولار في الموازنة لدفع هذه الزيادات. كما يتطلب دفع رواتب المتقاعدين العسكريين تخصيص 360 مليون دولار إضافية. ويُخصص 53% من الموازنة لنفقات القطاع العام (المستشفيات والمدارس والبنية التحتية)، و35% للجيش، و11% فقط للاستثمار. وكانت الموازنة اللبنانية في 2026 نحو 6 مليارات دولار، وستبلغ موازنة 2027 نحو 7 مليارات دولار.
وينصب التركيز الحالي على تحسين الجباية الضريبية والجمركية بشكل أكبر، لكن هناك قلق من أن يؤدي ارتفاع سعر النفط، بما في ذلك الديزل، إلى مزيد من الضغوط الاقتصادية. كما هناك قلق من أن يفقد كثير من اللبنانيين العاملين في دول الخليج وظائفهم ويعودوا إلى بلدهم. وفي المقابل، أتاح ارتفاع أسعار النفط للحكومة فرصة لرفع أسعار البنزين، ما مكّنها من تمويل الزيادة في أجور موظفي القطاع العام. والحكومة غير قادرة على المناورة في زيادة الضرائب، ولذلك تركز حاليًا على آلية جباية أكثر فعالية وكفاءة.
عن الإنفاق على النازحين اللبنانيين
وأضاف، أنّه في موازنة الدولة، خُصص 100 مليون دولار لمساعدة النازحين اللبنانيين. وبالإضافة إلى ذلك، حصل لبنان على قرض بقيمة 250 مليون دولار من البنك الدولي (لمساعدة النازحين في استئجار الشقق وتقديم الدعم للأسر النازحة ذات الدخل المحدود). ويقدم الاتحاد الأوروبي 45 مليون يورو لهذا الغرض. ويأتي المزيد من الدعم لبناء البنية التحتية وإصلاحها من دول أوروبية، منها فرنسا التي قدمت للبنان 80 مليون دولار. وقد كانت إيرادات صيف 2026 من زيارات السياح والمغتربين إلى البلاد أقل من المتوقع، بسبب الحرب.
إصلاح القطاع المصرفي
وأشار الى أنّ لبنان هو البلد الوحيد الذي كرّس وقتًا طويلًا (أكثر من سبع سنوات) للتعامل مع أزمته المصرفية. وقد أُهدر وقتا كثيرا، ولذلك يجب على البلد أن يتقدم نحو الأمام وينفذ إصلاحًا كبيرًا. وهناك جزء مهم من الإصلاح، وهو قانون الفجوة المالية، قيد البحث حاليًا في البرلمان. والصياغة ليست مثالية، لكنها توفر أساسًا لمواصلة النقاش بهدف التوصل إلى قانون متفق عليه قريبًا. ولا يثق الجمهور اللبناني بالنظام المصرفي، وهناك حاجة لبناء نظام مصرفي موثوق. وفي محادثات مع صندوق النقد الدولي، تحاول الحكومة اللبنانية طمأنة الصندوق إلى أن القانون الذي سيُقر سيتضمن معايير دولية تستند إلى معايير الصندوق.
ولهذا الغرض، تعمل الحكومة عن كثب مع مصرف لبنان المركزي. ولدى المصرف حاليًا أصول واحتياطيات نقدية كافية، ما قد يسمح له بالبدء في إعادة الأموال إلى المودعين الذين لم يتمكنوا من الوصول إلى أموالهم منذ سبع سنوات. ويدرك القادة السياسيون اللبنانيون، بمن فيهم رئيس البرلمان نبيه بري، الحاجة إلى المضي قدمًا في هذا الإصلاح، ويدعمونه. كما يظهر الجانب المصرفي مقاربة جديدة. وعلى البرلمان أن يجد حلًا. وفي الأسبوع المقبل، سيكون جابر جزءًا من وفد لبناني (يرأسه رئيس الحكومة سلام) يزور واشنطن ويلتقي المدير العام لصندوق النقد الدولي لمناقشة إنهاء الاتفاق بين الحكومة والصندوق للبدء في تنفيذ الإصلاح.
مشاركة القطاع الخاص
ورأى انه لجذب استثمارات إضافية من القطاع الخاص، يحتاج لبنان إلى مزيد من الاستقرار. ولبنان يخصخص قطاعات مختلفة (أجزاء من قطاعي الكهرباء والاتصالات) ويدفع نحو شراكات بين القطاعين العام والخاص في العديد من المشاريع، بما في ذلك بناء المطار الجديد في شمال لبنان، والسكة الحديدية من طرابلس إلى سوريا، والنفق من مرفأ بيروت إلى البقاع، وغيرها.






















































